بين فتنة سوريا وفتنة البحرين (2) - ثم توالت الثورات
لقد أثبتت الثورتان التونسية والمصرية للشعوب العربية أن التغيير ممكن فخير دليل للإمكان الوقوع كما يقول المناطقة والفلاسفة. وما كان يقال من تنظيرات تهدف إلى تثبيط العزائم وتيئيس الشعوب قبل أن تجرؤ على التفكير في التغيير ناهيك عن التخطيط والتنفيذ ثم الصبرعلى التضحيات مع التطلع بأمل وحكمة وشجاعة نحو الوصول إلى الأهداف قد أصبح غير ذي موضوع لأن خطأها بات واضحا ليس فقط ثبوتا إذا اعتبرنا منطق الأشياء والتجارب التاريخية هي أشياء قائمة في مقام الثبوت بل أيضا إثباتا في الواقع كما يقول علماء الأصول. فكانت الثورات الأخرى في كل من اليمن والبحرين وليبيا التي تميزت في خصوصيات عدة لكل منها وإن كانت المشتركات مع الثورات الأخرى كبيرة ومهمة وأهمها على الإطلاق هي الهوية العربية المشتركة التي يتولد منها الهم المشترك. ولكن الخصوصيات التي كانت لهذه الثورات جعلتها تتخذ تطورات مختلفة في الشكل والمضمون عما هو عليه الحال في كل من مصر وتونس. ففي ليبيا ليس هناك نظام بالمعنى الفعلي ولا جيش وطني يحرس مقومات الدولة بالمعنى الفعلي وإن كنا لا نشكك بالأفراد بالطبع ولكن المؤسسات القائمة في هذه الدولة قامت على فكر نرجسي قاده القذافي الذي صبغ ليبيا بصبغته وأخرجها من تفاعلها الهام مع الأمة العربية بالكلام المعسول الفارغ من المضمون والشعارات التي تخالفها كل الحقائق على الأرض. ولذا كان من الطبيعي أن لا يرى القذافي لليبيين ليس فقط حقا في ثورتهم بل ليس لهم في نظره حق في الوجود أصلا خارج نطاق تمجيد شخصه والتسبيح بحمده وقد ساهمت الطبيعة القبلية للمجتمع والإعلام الموجه والتدخل الأجنبي المشبوه في خلق فتنة في ليبيا وإن كان من المفروغ منه أن الأغلبية الساحقة للشعب الليبي تتوق لرحيل هذا الشخص وجلاوزته. أما في اليمن هذا البلد العربي الأصيل المقسوم طائفيا وسياسيا فقد وجد في مطلب رحيل علي عبدالله صالح فرصة للوحدة على شعار سياسي قد ينحو بالبلاد إلى رأب الصدع الطائفي والسياسي ويقودها نحو فجر سياسي واقتصادي خال من الفساد ينتهج سياسة العزة والكرامة الوطنية. أيضا هناك ظروف وأسباب عديدة أدت إلى تعنت صالح حتى الان وإن كان المتوقع بل من شبه المؤكد أن يصل الشعب اليمني إلى مبتغاه.
في الشمال الشرقي للعالم العربي وفي جزيرة البحرين بالتحديد رأت المعارضة البحرينية الفرصة مؤاتية للضغط على النظام حتى يمنح الشعب الحريات السياسية التي يستحقها ويبدأ تداول حقيقي للسلطة يقود البلاد نحو تطور نوعي ويذهب عن كاهل المواطنين ثقل المشاكل الإقتصادية والإجراءات التعسفية والتمييز الطائفي الذين يعانون منه. لقد رفعت المعارضة البحرينية شعارات تكاد تكون مستنسخة عن ثورة مصر وأكدت بشكل لا يدعو المنصف للشك على سلمية الثورة كما أكدت مرارا وتكرارا على عدم طائفية التحرك وأثبتت هذا أيضا من خلال دعوة الجميع إلى المشاركة بل من خلال كون العديد من المشاركين من السنة والليبراليين الذين لا يمكن وصفهم بالطائفية. ولم يكن هذا ضروريا أبدا لولا التحريض الطائفي المقيت الذي قام به النظام لكي يصور للسنة في البحرين أن المد الشيعي ات لكي يفتك بهم ويذهب بكل امتيازاتهم. وهكذا اخذ النظام يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور بعد أن أحس أن كرسي الحكم يهتز. ولكن نظرة بسيطة إلى تركيبة البحرين تجعلنا نرى أن هذه الإتهامات جاءت جزافا دون أن تكون مبنية على أي معطيات ملموسة ومعتبرة فأغلبية الشعب في البحرين هم من الشيعة وقد حاول النظام هناك قلب هذه المعادلة من خلال سياسة التجنيس كما هو معلوم إلا أن هذا لم يحدث تحولا جذريا في التركيبة السكانية فالشيعة لا يزالون يشكل حوالي 70% من المسلمين في البحرين وبالطبع دائما بحسب تقدير مصادر حيادية فقد ذكر المستشرق الألماني المنصف "هاينتز هالم" هذه الحقيقة في كتابه "دي شيئيتن" (الشيعة) الذي يعرض فيه لتاريخ الشيعة. وهذا أيضا أمر بين على أرض الواقع حيث حصلت التجمعات والحركات والجمعيات ذات الطابع الشيعي على ما يقرب من نصف المقاعد في مجلس النواب البحريني وهو رقم يعكس بشكل واضح مدى حضورهم إذا أخذنا في عين الإعتبار أن محاولات تهميشهم والإلتفاف عليهم تشكل أحد الهموم الأولية للنظام. ولو أن مجلس النواب هذا كان يمتلك صلاحيات معتبرة لهان الأمر مع ذلك ولكن هذا ليس واقع الحال إذ هناك ما يسمى بمجلس الشيوخ أيضا الذي يعين من الملك وهذان المجلسان يفترض أن يقوما مقام البرلمانات في الأنظمة البرلمانية ولذا اتخذت مشاركة الأحزاب الشيعية في الحياة السياسية البحرينية حتى ما قبل الثورة طابعا شكليا أكثر من كونها ذات طابع تشريعي قادر على تحريك العملية السياسية في البلاد والمشاركة في تعريف الحقوق والواجبات. وهنا قد يطرح سؤال ملح عن سبب تمترس الشيعة خلف أحزاب مذهبية ومن هنا أيضا قد تطرح شبهة أن ذلك بطبيعته قد يقود إلى رد الفعل هذا من قبل النظام بسبب خوفه من تقويض الحكم وما يسمى بالتمدد الفارسي. وللإجابة عن هذين السؤال والشبهة يجب أولا تعريف المذهبية ومعرفة واقع حال هذه الحركات حتى نستطيع أن نعطي حكما.