بين فتنة سوريا وفتنة البحرين - مقدمة
لا شك أن العالم العربي على أعتاب تغيير شامل وعميق للمنظومة السياسية التي كانت تتحكم بمجرى الأحداث فيه ولا شك أيضا بأن الشعوب تسعى لأن يكون هذا التغيير نحو الأحسن والأفضل. لقد كسرت القيود والأغلال التي كانت تمنع ما يمكن تسميته بالمارد العربي من الخروج من قمقمه وإن نجاح ثورتي تونس ومصر كان له وقعا خاصا في قلب كل عربي ومسلم وشريف وحر في هذا العالم. لقد أثبتت هاتين الثورتين أن الشعب قادر على تقرير مصيره بيده وأن الحكام الظلمة والطغاة ما هم إلا نمور من ورق وأنهم أقوياء فقط في أذهاننا وعندما نسقط هذا الوهم فسوف نكتشف أنهم أوهن من بيت العنكبوت كما قال السيد حسن نصرالله (ح) في حق إسرائيل فهنا الأمر لا يختلف. إن هذه الزمرة تخيف فقط الخيال المحكوم كما يقول الشاعر تميم البرغوثي ولكنها موضع هزء و سخرية وازدراء عند من تحرر خياله وشحن نفسه عزة وكرامة وعنفوانا وحكمة وشجاعة. بالطبع لقد قدم الشعبان التونسي والمصري تضحيات في أيام ثورتهم ولكن إذا ما قيست تلك التضحيات بالنتائج فهي تبدو أقل بكثير من المعاناة التي كان الشعبان يرزحان تحتها. لقد بلغ الظلم الذروة وبلغ السيل الزبى حتى خلص الباطل وخلص الحق ولم تعد تنطلي حيلة تلبيس الباطل بالحق والحق بالباطل. فرأت الجموع في هذين البلدين الحبيبين أن أفق العيش الكريم بل حتى العيش الذليل مسدود وأنه لا بد من إسقاط هذه الطغمة الفاسدة الحاكمة. ولمصر في هذا خصوصية مهمة لشعور المصريين بانكسار شديد في نفوسهم إذ أصبحت دولتهم تجلد أخوانهم في فلسطين وتتامر على إخوانهم في لبنان فلم تترك لهم أي فرصة لكي يلتمسوا لها العذر وكانت الثورة الشاملة والعميقة التي أسقطت مبارك في أيام معدودة و أدخلته السجن في أشهر قليلة. الملحمة المصرية تابعها كل العالم مسلمين ومسيحيين سنة وشيعة عربا وعجما بترقب شديد. لقد كان سقوط النظام موضع إجماع كبير مع بعض الشذوذ في مواقف بعض الأنظمة العميلة التي لا نتوقع منها أصلا أن تقف إلى جانب الشعوب. طبعا يطول الحديث عن أسباب وأحداث ومسار ونتائج هاتين الثورتين ولكن النقطة المهمة التي سأنطلق منها لأدخل موضوع المقال الأساسي هو سبب الإجماع على شرعية هاتين الثورتين والدعاء لهما بالنصر ومتابعتهما عن كثب من جميع العرب ومعظم المسلمين وأغلب الأحرار في العالم. إن السبب الرئيس في هذا الأمر من الوضوح بمكان: لم يكن للنظام المصري كما التونسي أي عذر واي إيجابية قد يخشى المرء بسببها سقوط النظام بل لم ير أي متابع منصف حر سوى إيجابية سقوط هذين النظامين وسلبية بقائه فقد شاهد هؤلاء على مدى سنوات طوال لا أخلاقية هذه الأنظمة وخوائها من كل مضمون ومبدأ. بالطبع لقد مثل مبارك وأعوانه أو بالأحرى جلاوزته وبن علي وجلاوزته الشر كله في جميع الميادين فهم ضربوا بلديهما بقبضة من حديد بحجة أمن الدولة والإرهاب وما إلى ذلك من الإدعاءات الفارغة مضمونا وفي الوقت نفسه قضوا على أمن المواطن بإسم هذا الأمن فأخذ المواطن يرى في الدولة عدوا يجب أن يحذر منه بدلا من أن تكون خادما يحميه ويطمئن إليه ويعتز به. ولكن إذا ركزنا في حديثنا على حالة مصر بشكل خاص نرى أن هذا الشعور لم يكن فقط في أيام مبارك حاضرا بل أيضا في أيام السادات وأيام عبدالناصر كما أن الفقر والعوز والجوع ليست سمة خاصة بعهد مبارك وإن كانت في عهده قد توسعت لا أقل بسبب العامل الديمغرافي والعجز التام للدولة عن النهوض بالإقتصاد الوطني بل الأصوب أن نقول بسبب تعمد الحزب الحاكم سابقا النظر إلى مصر كعزبة كما يقول المصريون واتباع سياسة الإفقار لكي يتولد الجهل وتسهل بذلك عملية السيطرة على الشعب. كل هذا هو في العادة سبب كاف للثورة على النظام ولكنها كانت متواجدة في أيام عبد الناصر مثلا وإن بأقدار مختلقة فما الفارق إذا؟ الفارق هو أن هذا النظام لم تكن له قضية! لقد كان خاويا خواء استراتيجيا بعكس نظام عبدالناصر الذي بني على اساس العزة والمنعة ومواجهة إسرائيل ومن لف لفها وهذا أمر واضح وجلي. لقد كانت الشعوب إلى قدر كبير مستعدة للصبر على الظلم الداخلي لأن الخطر الإستراتيجي كان في فطرة المصريين ذو أولوية وأهمية كبرى فيمكن تلمس الأعذار وانتظار تغير الأقدار. ثم جاءت اتفاقية السلام المذلة مع اسرائيل التي نظرت إليها الأغلبية الكبرى على أنها خيانة للقضية الفلسطينية وأصيبت الكرامة المصرية بجرح خطير ولكن السادات ومبارك استطاعوا خلق جو عام يساهم في تأييد الإتفاقية من شريحة معينة من الشعب من جهة ويستر الجرح دون مداواته عند الشريحة الأخرى التي تعد أكبر من الشريحة الأولى بكثير. ولكن الجرح استمر في النزف من وراء الستار حتى أصبح الوجع لا يحتمل وكانت الصرخة وأيقن الشعب المصري أن أدوات الجراحة التي استحوذ عليها النظام يمكن استردادها وكانت الثورة والإنتصار.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen